ميرزا جواد آغا الملكي التبريزي

93

المراقبات ( أعمال السنة )

كان الأخيران أيضا داخلين فيما يعمل للثواب ، ولكن هذا الثواب ليس كغيره من المثوبات فإنّهما أيضا قريبان من الأوّل . وبالجملة الأحرار العارفين باللَّه جلّ جلاله لا يكون أعمالهم غالبا من باب الطمع والخوف ، بل يكون باعثهم على العمل ما يتجلَّى لهم من عظمة ربّهم وكبريائه أو نوره وبهائه ، فيعملون ويتواضعون ويعبدون ربّهم ومولاهم من غير رويّة وتردّد واختيار ، بل يشبه عملهم عمل المضطرّين كما قال في حقّهم عليّ عليه السّلام في حديث الهمّام : بل خامرهم من عظمة ربّهم ما طاشت به عقولهم ( 1 ) ، أو عمل المجذوبين الوالهين من ظهور بهاء الحقّ تعالى ، وسطوع أنوار جماله ، فصاروا بين يديه حيارى متضرّعين ، وسكارى متملَّقين ، فإذا جنّهم اللَّيل ، واختلط الظلام ، ونصبت الأسترة وخلى كلّ حبيب مع حبيبه نصبوا بين يديه أقدامهم ، افترشوا جباههم ، فهم بين متأوّه وباك ، ومتضرّع وشاك ، فبعين اللَّه ما يتحمّلون لأجله ، وبسمع اللَّه ما يشتكون من حبّه ، فيقبلهم ربّهم بقبول حسن ، يريهم جماله ، ويؤنسهم بحسن صنيعه ، ولطف فعاله . وأمّا الَّذين لم يعرفوا من اللَّه إلا جنّته وناره ، فيعملون خوفا من النّار وشوقا إلى الجنّة ، فلا يتأتّى منهم عمل العارفين ، المحبّين المشتاقين ، نعم لهم أن يقهروا أنفسهم بالتفكَّر في عظمة خالقهم ، ونعمه السابغة الَّتي لا تحصى ، ويسعوا في

--> ( 1 ) روى حديث همام في وصف المتقين بصيغ مختلفة ، فمنها ما رواه الصدوق في أماليه : 340 المجلس : 84 ، عنه البحار : 67 - 343 ضمن ح 51 ، ورواه في البحار : 78 - 29 ضمن ح 96 وج : 68 - 194 ضمن ح 48 ، مطالب السئول : 53 ، عنه البحار : 78 - 25 ضمن ح 89 . .